الشيخ محمد رشيد رضا

651

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني » قال من حدثك بهذا ؟ قال « ربي » قال نعم الرب ربك فاستوص به خيرا قال « أنا استوصي به ؟ بل هو يستوصي بي » فنزلت ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ولهذا قال ابن جريج ان الآية مكية وهو قول ضعيف كما تقدم في الكلام على نزول السورة في أول تفسيرها والصحيح ان التشاور في الأمور الثلاثة بدار الندوة كان عقب موت أبي طالب وخديجة رضي اللّه عنها وكان الخروج للهجرة في الليلة التي أجمعوا فيها أمرهم على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم كما يأتي بيانه ، ويجوز أن يكونوا قد تحدثوا به قبل اجماعه وإرادة الشروع فيه الذي وقع بعد موت أبي طالب فبلغه فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنه وأما قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ فهو بيان لحالتهم العامة الدائمة في معاملته صلّى اللّه عليه وسلّم هو ومن اتبعه من المؤمنين بعد التذكير بشرّ ما كان منها في مكة ولذلك لم يقل « ويمكرون بك » أي وهكذا دأبهم معك ومع من اتبعك من المؤمنين يمكرون بكم ويمكر اللّه لكم بهم كما فعل من قبل إذ أحبط مكرهم ، وأخرج رسوله من بينهم ، إلى حيث مهد له في دار الهجرة ، ووطن السلطان والقوة ، واللّه خير الماكرين لان مكره نصر للحق واعزاز لأهله ، وخذل للباطل واذلال لأهله ، وإقامة للسنن ، واتمام للحكم ، وقد بينا حقيقة المكر في اللغة في تفسير قوله تعالى ( 3 : 54 وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) وفي تفسير ( 7 : 98 أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ) الآية وخلاصته ان المكر هو التدبير الخفي لايصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب ، ووقاية الممكور له من المكروه كذلك . والغالب في عادات البشر أن يكون المكر فيما يسوء ويذم من الكذب والحيل ولذلك تأول المفسرون ما أسند إلى اللّه تعالى منه فقالوا في مثل هاتين الآيتين - آية الأنفال وآية آل عمران - انه أسند إلى اللّه تعالى من باب المشاكلة بتسمية تخييب سعيهم في مكرهم أو مجازاتهم ؟ ؟ ؟ لميه باسمه ، والحق ان المكر منه الخير والشر والحسن والسيء - كما قال تعالى ( 35 : 43 اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ومن ؟ ؟ ؟ عاء المرفوع « وامكر لي ولا تمكر علي » رواه أبو داود ويراجع تفسير آية آل عمران من الجزء الثالث وتفسير آية الأعراف من الجزء التاسع